فصل: تفسير الآيات (33- 34):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني المشهور بـ «تفسير الألوسي»



.تفسير الآية رقم (31):

{قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (31)}

{قُلْ} أي لأولئك المشركين الذين حيكت أحوالهم وبين ما يؤدي إليه أفعالهم التي هي أفعى لهم احتجاجًا على حقية التوحيد وبطلان ما هم عليه من الاشراك.
{مَن يَرْزُقُكُم مّنَ السماء والأرض} أي منهما جميعًا فإن الارزاق تحصل بأسباب سماوية كالمطر وحرارة الشمس المنضجة وغير ذلك ومواد أرضية والأولى نزلة الفاعل والثانية نزلة القابل أو من كل واحد منهما بالاستقلال كاللأمطار والمن والأغذية الأرضية توسعة عليكم فمن على هذا لابتداء الغاية، وقيل: هي لبيان {مِنْ} على تقدير المضاف، وقيل: تبعيضية على ذلك التقدير أي من أهل السماء والأرض {أَمَّن يَمْلِكُ السمع والابصار} {أَمْ} منقطعة عنى بل والاضراب انتقالي لا ابطالي وفيه تنبيه على كفاية هذا الاستفهام فيما هو المقصود أي من يستطيع خلقهما وتسويتهما على هذه الفطرة العجيبة ومن وقف على تشريحهما وقف على ما يبهر العقول أو من يحفظهما من الآفات مع كثرتها وسرعة انفعالهما عن أدنى شيء يصيبهما أو من يتصرف بهما ادهابا وابقاء، والملك على كل مجاز، قيل: والمعنى الأول أوفق لنظم الخالقية مع الرازقية كقوله تعالى: {هَلْ مِنْ خالق غَيْرُ الله يَرْزُقُكُمْ مّنَ السماء والأرض} [فاطر: 35] {وَمَن يُخْرِجُ الحى مِنَ الميت وَيُخْرِجُ الميت مِنَ الحى} أي ومن ينشئ الحيوان من النطفة مثلا والنطفة من الحيوان أو من يحيي أو يميت بأن يكون المراد بالإخراج التحصيل من قولهم: الخارج كذا أي الحاصل أي من يحصل الحي من الميت بأن يفيض عليه الحياة ويحصل الميت من الحي بأن يفيض عليه الموت ويسلب عنه الحياة والمآل ما علمت، ومن الناس من فسر الحي والميت هنا بالمؤمن والكافر والأول أولى {وَمَن يُدَبّرُ الامر} أي ومن يلي تدبير أم العالم جميعًا وهو تعميم بعد تخصيص ما اندرج تحته من الأمور الظاهرة بالذكر، وفيه إشارة إلى أن الكل منه سبحانه وإليه وأنه لا يمكنكم علم تفاصيله {فَسَيَقُولُونَ} بلا تلعثم ولا تأخير {الله} إذ لا مجال للمكابرة والعناد في شيء من ذلك لغاية وضوحه، والاسم الجليل مبتدأ والخبر محذوف أي الله يفعل ما ذكر من الأفاعيل لا غيره {هذا} ورا يستدل بالآية على تقدير أن لا تكون {مِنْ} لابتداء الغاية على جواز أن يقال الله سبحانه انه من أهل السماء والأرض، وكون المراد هناك غير الله تعالى لا يناسب الجواب ومن لم ير الجواز تعني ومن رآه بناء على ظواهر الآيات المفيدة لكونه تعالى في السماء وقوله صلى الله عليه وسلم في الجارية التي أشارت إلى السماء حين قيل لها. اين الله؟ «أعتقها فإنها مؤمنة» وإقراره حصينا حين قال له عليه الصلاة والسلام:
«كم تعيديا حصين؟ فقال: سبعة ستة في الأرض وواحد في السماء فقال صلى الله عليه وسلم: فمن الذي أعددته لرغبتك ورهبتك؟ فقال حصين: الإله الذي في السماء» أبقي الآية على ما يقتضيه ظاهرها. وأنت تعلم إنه لم يرد صريحًا كونه تعالى من أهل السماء والأرض وان ورد كونه جل وعلا في السماء على المعنى اللاثق بجلاله جل جلاله فلا أرى جواز ذلك، ولا داعي لإخراج {مِنْ} عن ابتداء الغاية ليحتاج إلى العناية فر رد الاستدلال كما لا يخفى. وفي الانتصاف أن هذه الآية كافحة لوجوه القدرية الزاعمين أن الارزاق منقسمة فمنها ما رزقه الله تعالى للعبد وهو الحلال ومنها ما رزقه العبد لنفسه وهو الحرام فهي ناعية عليهم هذا الشرك الخفي لو سمعوا {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصم وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ} [يونس: 42] وكذا فيما قيل تكفح في وجوه أناس يزعمون أن الذي يدبر الأمر في كل عصر قطبه وهو عماد السماء عندهم ولولاه لوقعت على الأرض فكؤني بك إذا سألتهم من يدبر الأمر يقولون القطب، وقد يعتذر عنهم بأن مرادهم أنه المدبر باذن الله تعالى وجاء اطلاق المدبر بهذا المعنى على غيره تعالى في قوله سبحانه: {فالمدبرات أَمْرًا} [النازعات: 5]
ورا يقال إنه لا فرق عندهم بين الله تعالى وبين القطب إلا بالاعتبار لأنه الذي فاز بقربي النوافل والفرائض على أتم وجه فارتفعت الغيرية، فالقول بأن القطب هو المدبر كالقول بأن الله سبحانه هو المدبر بلا فرق.
واعترض هذا بأنه ذهاب إلى القول بوحدة الوجود وأكثر المتكلمين وبعض الصوفية كالإمام الرباني قدس سره ينكرون ذلك، والأول بأنه هلا قال المشركون في جواب ذلك: الملائكة أو عيسى عليهم السلام مثلا على معنى أنهم المدبرون للأمر بإذن الله تعالى فيكون المذكورون عندهم نزلة الأقطاب عند أولئك، وأجيب بأن السؤال إنما هو عمن ينتهي إليه الأمر فلا يتسنى لهم إلا الجواب المذكور، ولعل غير أهل الوحدة لو سئلوا كذلك ما عدلوا في الجواب عنه سبحانه، وأما أهل الوحدة قدس الله تعالى أسرارهم فلهم كلمات لا يقولها المشركون وهي لعمري فوق طور العقل ولذا أنكرها أهل الظاهر عليهم {فَقُلْ} لهم {أَفَلاَ تَتَّقُونَ} الهمزة لإنكار عدم الاتقاء عنى إنكار الواقع كما في قولك: أتضرب إياك لا عنى إنكار الوقوع كما في قولك: أأضرب أبي، والفاء للعطف على مقدر ينسحب عليه النظم الكريم أي أتعلمون ذلك فلا تتقون، والخلاف في مثل هذا التركيب شهير وما ذكرناه هو ما عليه البعض، ومفعول {تَتَّقُونَ} محذوف وهو متعد لواحد أي أفلا تتقون عذابه الذي لكم بما تتعاطونه من إشراككم به سبحانه ما لا يشاركه في شيء مما ذكر من خواص الأولوهية، وكلام القاضي يوهم أنه متعد إلى مفعولين وليس بذاك.

.تفسير الآية رقم (32):

{فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (32)}
{فَذَلِكُمُ الله رَبُّكُمُ الحق} فذلكة لما تقرر والإشارة إلى المتصف بالصفات السابقة حسا اعترفوا به، وهي مبتدأ والاسم الجليل صفة له و{رَبُّكُمْ} خبر و{الحق} خبر بعد خبر أو صفة أو خبر مبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون الاسم الجليل هو الخبر و{رَبُّكُمْ} بدل منه أو بيان له و{الحق} صفة الرب أي مالككم ومتولي أموركم الثابت، ربوبيته والمتحقق الوهيته تحققًا لا ريب فيه {فَمَاذَا بَعْدَ الحق إِلاَّ الضلال} أي لا يوجد غير الحق شيء يتبع الا الضلال فمن تخطى الحق وهو عبادة الله تعالى وحده لابد وإن يقع في الضلال وهو عبادة غيره سبحانه على الانفراد أو الاشتراك لأن عبادته جل شأنه مع الاشتراك لا يعتد بها فما اسم استفهام وذا موصول، ويجوز أن يكون الكل اسمًا واحدًا قد غلب فيه الاستفهام على اسم الإشارة، وهو مبتدأ خبره {بَعْدَ الحق} على ما في النهر والاستفهام إنكاري عنى إنكار الوقوع ونفيه، و{بَعْدَ} عنى غير مجاز والحق ما علمت، وهو غير الأول ولذا أظهر، وإطلاق الحق على عبادته سبحانه وكذا اطلاق الضلال على عبادة غيره تعالى لما أن المدار في العبادة الاعتقاد، وجوز أن يكون الحق عبارة عن الأول والاظهار لزيادة التقرير ومراعاة كمال المقابلة بينه وبين الضلال والمراد به هو الأصنام، والمعنى فماذا بعد الرب الحق الثابت ربوبيته إلا الضلال أي الباطل الضائع المضمحل وإنما سمي بالمصدر مبالغة كأنه نفس الضلال والضياع، وقيل: المراد بالحق والضلال ما يعم التوحيد وعبادة غيره سبحانه وغير ذلك ويدخل ما يقتضيه المقام هنا دخولا أولياء، ويؤيده ما أخرجه ابن أبي حاتم عن أشهب قال: سئل مالك عن شهادة اللعاب بالشطرنج والنرد فقال أما من أدمن فما أرى شهادتهم طائلة يقول الله تعالى: {فَمَاذَا بَعْدَ الحق إِلاَّ الضلال} فهذا كله من الضلال.
{فَإِنّي تُصْرَفُونَ} أي فكيف تصرفون عن الحق إلى الضلال والاستفهام إنكاري عنى إنكار الواقع واستبعاده والتعجب منه، وفيه من المبالغة ما ليس في توجيه الإنكار إلى نفس الفعل فإنه لابد لكل موجود من أن يكون وجوده على حال من الأحوال فإذا انتفى جميع أحوال وجوده فقد انتفى وجوده على الطريق البرهاني والفاء لترتيب الإنكار والتعجب على ما قبله، ولعل ذلك الإنكار والتعجب متوجهان في الحقيقة إلى منشأ الصرف وإلا فنفس الصرف منه تعالى على ما هو الحق فلا معنى لإنكاره والتعجب منه مع كونه فعله جل شأنه، وإنما لم يسند الفعل إلى الفاعل لعدم تعلق غرض به. وذهب المعتزلة أن فاعل الصرف نفسه المشركون فهم الذين صرفوا أنفسهم وعدلوا بها عن الحق إلى الضلال بناء على أن العباد هم الخالقون لأفعالهم، وأمر الإنكار والتعجب عليه ظاهر، وإنما لم يسند الفعل إلى ضميرهم على جهة الفاعلية إشارة إلى أنه بلغ من الشناعة إلى حيث أنه لا ينبغي أن يصرح بوقوعه منهم فتدبر.

.تفسير الآيات (33- 34):

{كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (33) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (34)}
{كذلك} أي كما حقت كلمة الربوبية لله سبحانه وتعالى أو كما أنه ليس بعد الحق إلا الضلال أو كما أنهم مصرفون عن الحق {حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ} أي حكمه {عَلَى الذين فَسَقُواْ} أي تمردوا في الكفر وخرجوا إلى أقصى حدوده، والمراد بهم أولئك المخاطبون، ووضع الموضول موضع ضميرهم للتوصل إلى ذمهم بعنوان الصلة وللاشعار بالعلية {أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} بدل من الكلمة بدل كل من كل أو بدل اشتمال بناء على أن الحكم بالمعنى المصدري أو عنى المحكوم به، وقد تفسر الكلمة بالعدة بالعذاب فيكون هذا في موضع التعليل لحقيتها أي لأنهم إلخ، واعترض بأن محصل الآية حينئذ على ما تقرر في الذين فسقوا أن كلمة العذاب حقت على أولئك المتمردين لتمردهم في كفرهم ولأنهم لا يؤمنون وهو تكرار لا طائل تحته، وأجيب بأنه لو سلم أن في الآية تكرارًا مطلقًا فهو تصريح بما علم ضمنًا، وفيه دلالة على شرف الإيمان بأن عذاب المتمردين في الكفر بسبب انتفاء الإيمان {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن الله الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ} احتجاج آخر على حقية التوحية وبطلان الاشراك، ولم يعطف إيذانًا باستقلاله في إثبات المطلوب، والسؤال للتبكيت والإلزام، وجعل سبحانه الإعادة لسطوع البراهين القائمة عليها نزلة البدء في إلزامهم ولم يبال بإنكارهم لها لأنهم مكابرون فيه والمكابر لا يلتفت إليه فلا يقال: إن مثل هذا الاحتجاج إنما يتأتى على من اعترف بأن من خواص الإلهية بدء الخلق ثم إعادته ليلزم من نفيه عن الشركاء نفي الإلهية وهم غير مقرين بذلك، ففي الآية الإشارة إلى أن الإعادة أمر مكشوف ظاهر بلغ في الظهور والجلاء بحيث يصح أن يثبت فيه دعوى أخرى، وجعل ذلك الطيبي من صنعة الادماج كقول ابن نباتة:
فلا بد لي من جهلة في وصاله ** فمن لي بخل أودع الحلم عنده

فقد ضمن الغزل الفخر بكونه حليمًا والفخر شكاية الإخوان {قُلِ الله الله الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ} قيل هو أمر له صلى الله عليه وسلم بأن يبين لهم من يفعل ذلك أي قل لهم الله سبحانه هو يفعلهما لا غيره كائنًا ما كان لا بأن ينوب عليه الصلاة والسلام عنهم في الجواب كما قاله غير واحد لأن المقول المأمور به غير ما أريد منهم من الجواب وإن كان مستلزمًا له إذ ليس المسؤول عنه من يبدأ الخلق ثم يعيده كما في قوله سبحانه: {قُلْ مَن رَّبُّ السموات والأرض قُلِ الله} [الرعد: 16] حتى يكون القول المأمور به عين الجواب الذي أريد منهم ويكون صلى الله عليه وسلم نائبًا عنهم في ذلك بل إنما هو وجود من يفعل البدء والإعادة من شركائهم فالجواب المطلوب منهم لا لا غير.
نعم أمر صلى الله عليه وسلم بأن يضمنه مقالته إيذانًا بتعينه وتحتمه وإشعارًا بأنهم لا يجترئون على التصريح به مخافة التبكيت والقام الحجر لا مكابرة ولجاجًا انتهى، وقد يقال: المراد من قوله سبحانه: {هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ} إلخ هل المبدئ المعيد الله أم الشركاء، والمراد من قوله سبحانه جل شأنه: {الله} إلخ الله يبدأ ويعيد لا غيره من الشركاء وحينئذٍ ينتظم السؤال والجواب وانفهام الحصر بدلالة الفحوى فإنك إذا قلت: من يهب الألوف زيد أم عمرو فقيل: زيد يهب الألوف أفاد الحصر بلا شبهة.
وا ذكر يعلم ما في الكلام السابق في الرد على ما قاله الجمع وكذا رد ما قاله القطب من أن هذا لا يصلح جوابًا عن ذلك السؤال لأن السؤال عن الشركاء وهذا الكلام في الله تعالى بل هو الاستدلال على الهيته تعالى وإنه الذي يستحق العبادة بأنه المبدئ المعيد بعد الاستدلال على نفي الهية الشركاء فتأمل، وفي إعادة الجملة في الجواب بتمامها غير محذوفة الخبر كما في الجواب السابق لمزيد التأكيد والتحقيق {فأنى تُؤْفَكُونَ} الإفك الصرف والقلب عن الشيء يقال: أفكه عن الشيء يأفكه أفكًا إذا قلبه عنه وصرفه، ومنه قول عروة بن أذينة:
إن تك عن أحسن الصنيعة مأ ** فوكًا ففي آخرين قد أفكوا

وقد يخص كما في القاموس بالقلب عن الرأي ولعله الأنسب بالمقام أي كيف تقلبون من الحق إلى الباطل والكلام فيه كما تقدم في {فأنى تُصْرَفُونَ} [يونس: 23].